محمد بن جرير الطبري
97
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن عامر في هذه الآية : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ قال : كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة ، فكان المنافق يدعو إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة ، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة ، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة ، فأنزل الله فيه هذه الآية : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ حتى بلغ : وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر في هذه الآية : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ فذكر نحوه ، وزاد فيه : فأنزل الله أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني المنافقين وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني اليهود يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ يقول : إلى الكاهن وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ أمر هذا في كتابه ، وأمر هذا في كتابه يكفر بالكاهن . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي ، قال : كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم ، وبين رجل من اليهود خصومة ، فقال اليهودي : أحاكمك إلى أهل دينك ، أو قال : إلى النبي ؛ لأنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم . فاختلفا ، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة ، قال : فنزلت : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعنى : الذي من الأنصار وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني : اليهودي يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ إلى الكاهن وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ يعني : أمر هذا في كتابه ، وأمر هذا في كتابه . وتلا : وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً ، وقرأ : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ إلى : وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه سليمان ، قال : زعم حضرمي أن رجلا من اليهود كان قد أسلم ، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق ، فقال اليهودي له : انطلق إلى نبي الله فعرف أنه سيقضي عليه . قال : فأبى ، فانطلقا إلى رجل من الكهان ، فتحاكما إليه . قال الله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ الآية ، حتى بلغ : ضَلالًا بَعِيداً ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين : رجل من الأنصار يقال له بشر ، وفي رجل من اليهود في مدارأة كانت بينهما في حق ، فتدارءا بينهما فيه ، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة يحكم بينهما ، وتركا نبي الله صلى الله عليه وسلم . فعاب الله عز وجل ذلك . وذكر لنا أن اليهودي كان يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما ، وقد علم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لن يجور عليه ، فجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ويدعوه إلى الكاهن ، فأنزل الله تبارك وتعالى ما تسمعون ، فعاب ذلك على الذي زعم أنه مسلم ، وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب ، فقال : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ إلى قوله : صُدُوداً . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ قال : كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم ، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة قتلوا به منهم ، فإذا قتل الرجل من بني قريظة قتلته النضير ، أعطوا ديته ستين وسقا من تمر . فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير ، قتل رجل من بني النضير رجلا من بني قريظة ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النضيري : يا رسول الله إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية ، فنحن نعطيهم اليوم ذلك . فقالت قريظة : لا ، ولكنا إخوانكم في النسب والدين ، ودماؤنا مثل دمائكم ، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية ، فقد جاء الله بالإسلام فأنزل الله يعيرهم بما فعلوا . فقال : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ